الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

زينة الدنيا لعلهم يشكرونه ، وأنهم بطروا النعمة ، فإن اللّه يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة . وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسول اللّه ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف - عليه السلام - . ولهذا اتصال بقوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] . وموقع ( إن ) في صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [ الكهف : 6 ] . ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة اللّه تعالى ، وخاصة ما كان منها إيجادا للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم ، والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر ، ونعمة ونقمة ، كلها عبر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ الأهبة إلى الانتقال من حال إلى حال فلا يثق بقوته وبطشه ، ليقيس الأشياء بأشباهها ويعرض نفسه على معيار الفضائل وحسنى العواقب . وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم وتعقلهم ، كما قال تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [ الغاشية : 17 - 20 ] ، وقال : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ [ الذاريات : 20 ] . وقد جاء نظم هذا الكلام على أسلوب الإعجاز في جمع معان كثيرة يصلح اللفظ لها من مختلف الأغراض المقصودة ، فإن الإخبار عن خلق ما على الأرض زينة يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع اللّه إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف . والامتنان بمثل هذا كثير ، مثل قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [ النحل : 6 ] ، وقال : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [ آل عمران : 14 ] . ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها . وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان ، واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها . فيتضمن هذا امتنانا ببث الحياة في الموجودات الأرضية .